أهلا بك في ناقش ، يمكنك هنا طرح ومناقشة الأفكار والقضايا العلمية والاجتماعية والفكرية والمشاركة في العديد من المجتمعات المختلفة. إنشاء حساب الآن!

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، أما بعد:
فقد أخرج البخاري في «صحيحه» (برقم: 1284):
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ وَمُحَمَّدٌ، قَالاَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا، قَالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ: إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ، فَأْتِنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلاَمَ، وَيَقُولُ: «إِنَّ لله مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ»، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ ـ قَالَ: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ كَأَنَّهَا شَنٌّ ـ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ الله، مَا هَذَا؟ فَقَالَ: «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا الله فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ الله مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ».
أقول: قد تكلم الإمام الحافظ أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني رحمه الله في «فتح الباري»( (3/200-201: المكتبة الرشيدية). ) في شرح هذا الحديث من وجوه:
أولا:من حيث كون الولد الجائد بنفسه ابنا أو بنتا، فردَّ على ما جاء في هذه الرواية للبخاري أنه ابن، فقال متعقبا عليه: «وفيه نظر. . .»، ثم سرد الروايات المختلفة والطرق العديدة لذلك، وبنى عليه رأيَه قائلا: «الصَّوَاب فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ الْـمُرْسِلَةَ زَيْنَبُ وَأَنَّ الْوَلَدَ صَبِيَّةٌ كَمَا ثَبَتَ فِي «مُسْنَدِ أَحْمَدَ» عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ بِالسَّنَدِ الـْمَذْكُورِ وَلَفْظُهُ: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمَامَةَ بِنْتِ زَيْنَبَ. . . ». وتعقّب عليه العيني في «عمدة القاري»، فقال: «وفي نظره نظر»( ). ولكن هذا البحث ليس بمقصودي ههنا.
وإنما المقصود ههنا ما تعرض له الحافظ بعد هذا: بأن هذا الولد المريض (وكانت بنتا كما يرى الحافظ) لم يمت في هذا المرض، بل عاش إلى ما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول الحافظ( ):
«وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ: إِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ مِنْ زَيْنَبَ بِنْتِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَزَوَّجَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بَعْدَ وَفَاةِ فَاطِمَةَ، ثُمَّ عَاشَتْ عِنْدَ عَلِيٍّ حَتَّى قُتِلَ عَنْهَا. وَيُجَابُ: بِأَنَّ الْـمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: «إِنَّ ابْنًا لي قُبضَ» أَيْ قَارَبَ أَنْ يُقْبَضَ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ: «أَرْسَلَتْ تَدْعُوهُ إِلَى ابْنِهَا فِي الْـمَوْتِ»، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ: «إِنَّ ابْنَتِي قَدْ حُضِرَتْ» وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِهِ «أَنَّ ابْنِي أَوِ ابْنَتِي».
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الصَّوَابَ قَوْلُ مَنْ قَالَ ابْنَتِي لَا ابْنِي، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي «الْـمُعْجَمِ الْكَبِيرِ» مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «اسْتُعِزَّ بِأُمَامَةَ بِنْتِ أَبِي الْعَاصِ فَبَعَثَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ تَقُولُ لَهُ»، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أُسَامَةَ. وَفِيهِ مُرَاجَعَةُ سَعْدٍ فِي الْبُكَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: اسْتُعِزَّ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ، أَيِ اشْتَدَّ بِهَا المرَضُ وَأَشْرَفَتْ عَلَى الموتِ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الله تَعَالَى أكْرم نبيه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَمَّا سَلَّمَ لِأَمْرِ رَبِّهِ وَصَبَّرَ ابْنَتَهُ وَلَمْ يَمْلِكْ مَعَ ذَلِكَ عَيْنَيْهِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ بِأَنْ عَافَى الله ابْنَةَ ابْنَتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَخَلَصَتْ مِنْ تِلْكَ الشِّدَّةِ وَعَاشَتْ تِلْكَ المدَّةَ وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، وَ الله الـمُسْتَعَانُ». اهـ .
أقول: هذه الفِقرة الأخيرة صريحة في أن الحافظ يرى أنها لم تمت، وهو خلاف ما عليه معظم الشراح (كما يفهم من كلام العيني)، وما هو الظاهر المتبادر من الحديث بأن الولد قد مات. ولكن الحافظ لا يرضى بذلك، ويرى أنه لم يمت، وساق الأدلة القوية والروايات المبرهنة في تقوية ما ذهب إليه.
وكذلك شرح قوله: «إِنَّ لله مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى» على حسب ما يوافق قوله ولا يعارض رأيه، فيقول:
«قَدَّمَ ذِكْرَ الْأَخْذِ عَلَى الْإِعْطَاءِ وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا فِي الْوَاقِعِ لِمَا يَقْتَضِيهِ الْـمَقَامُ وَالْـمَعْنَى أَنَّ الَّذِي أَرَادَ الله أَنْ يَأْخُذَهُ هُوَ الَّذِي كَانَ أَعْطَاهُ فَإِنْ أَخَذَهُ أَخَذَ مَا هُوَ لَهُ فَلَا يَنْبَغِي الْجَزَعُ لِأَنَّ مُسْتَوْدَعَ الْأَمَانَةِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْزَعَ إِذَا اسْتُعِيدَتْ مِنْهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ المرادُ بِالْإِعْطَاءِ إِعْطَاءَ الْحَيَاةِ لِمَنْ بَقِيَ بَعْدَ الْـمَيِّتِ، أَوْ ثَوَابَهُمْ عَلَى المصِيبَةِ، أَوْ مَا هُوَ أَعم من ذَلِك. وَ«مَا»فِي الموْضِعَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً والعائد مَحْذُوف. فعلى الْأَوَّلِ التَّقْدِيرُ: «لله الْأَخْذُ وَالْإِعْطَاءُ»، وَعَلَى الثَّانِي: «لله الَّذِي أَخَذَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ وَلَهُ مَا أَعْطَى مِنْهُمْ»، أَوْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ». اهـ .
ولم أجد ـ فيما رجعت إليه من الكتب من«إرشاد الساري» للقسطلاني، و«عمدة القاري» للعيني وغيرهما ـ أحدا رد على الحافظ في هذا ردا مقرونا بإبطال الشواهد التي ساقها في صدد هذا البحث. وإن كان القسطلاني حكى كلام الحافظ ثم عقّبه بتعقب العيني، واختتم بنقل الجمع عن البرماوي، فقال: «وجمع البرماوي بين ذلك باحتمال تعدد الواقعة في بنت واحدة أو بنتين ، أرسلت زينب في علي أو أمامة ، أو رقية في عبد الله بن عثمان ، أو فاطمة في ابنها محسن بن علي». اهـ . ولكن لم يتضح بهذا الجمع أيضا أن الولد المذكور في الحديث مات أم عاش؟
ثم نرى أن الشرح المعهود المعروف لهذا الحديث في الأوساط العلمية، وفي الحِلَق الدراسية عندنا، والمتداول بين علماءنا ـ وكذلك المتبادِرُ من ظاهر الحديث ـ خلافُ ذلك، وسمعت كثيرا من العلماء يشرحون هذا الحديث على غير رأي الحافظ ـ كما هو المتبادر من ظاهر اللفظ والسياق ـ .
فما هو الراجح من هذين الرأيين: هل توفي ذلك الولد الذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، أم شُفي وعاش، والألفاظ التي تدل على المرض فهي كما هي، والتي تدل على الموت فهي مؤولة؟؟
ثم يبتني على كل ما سبق، وهو السؤال الذي سردت لأجله ما قدمت من البحث:
هل يُسن أن نعزي أحدا على وفاة قريبه بهذه الكلمات؟، بمعنى هل يصح أن يقال أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عزى بها أهل الميت أم لا؟

شارك النقاش مع الآخرين: Twitter | Facebook

يمكنك إضافة تعليقك أيضا بعد الدخول عبر فيسبوك أو إنشاء حساب جديد


1   حارث عثمان   0 قبل 3 أشهر | إضافة رد | ...

لا إشكال في أن الدعاء مسنون عند التعزية، ولا ينقض ذلك ما ذهب إليه الحافظ من أن الولد عاش بعده أو لم يعش؛ فإن سياق الحديث وحتى كلمات الدعاء نفسها تحمل دلالة واضحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يسلي بنتها على وفاة ولدها، فجميع الكلمات الواردة في الروايات المختلفة - مثل: قد حضر، أو احتضر، أو: استعز، أو: وهو في الموت ونحوها - لا تدل إلا على أنه قد غلب على ظن ابنته رضي الله عنها أن الولد سيموت وإن عاش بعد ذلك في نفس الأمر... وعلى اعتبار ذلك بعث إليها النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الدعاء، وفي الدعاء نفسه ما يلمح إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا ظن أن الولد سيموت، مثل: أجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب... وقد استعمل الاحتساب في معنى الصبر على الوفاة كثيرا، مثل حديث في البخاري :... إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه... وقول أم سليم لأبي طلحة رضي الله عنهما في مسلم: احتسب ابنك. ومن تتبع ذلك وجد أمثلة أخرى...
فالحاصل أنه لا إشكال في الحكم على هذا الدعاء بأنه مسنون عند التعزية؛ ويؤيد هذا الموقف أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث بهذه الكلمات لم يرد أن يشهد وفاته، إنما أراد أن يعزي ابنته بها مع ما احتف به من القرائن المذكورة، فلا يعتبر ما كان في نفس الأمر

وهذا على اعتبار رأي الحافظ، وأما رأي جمهور الشراح فلا إشكال أصلا.

1
  • 1 نقطة إيجابية
  • 0 نقطة سلبية
كلمات متعلقة بالموضوع
شارك في النقاش 1 :
- حارث عثمان