أهلا بك في ناقش ، يمكنك هنا طرح ومناقشة الأفكار والقضايا العلمية والاجتماعية والفكرية والمشاركة في العديد من المجتمعات المختلفة. إنشاء حساب الآن!

0   0 نشر في شخصيات وأعلام بواسطة حذيفة رفيق قبل 5 أشهر | أضف إلى المفضلة

كل نفس ذائقة الموت، وكل حبيب يفارق حبيبه، وكل شيء هالك إلا وجهه، تعالى ربنا الحي القيوم، الذي لا ينام ولا يموت، سبحان الذي تفرَّد بالبقاء، وكتب على غيره الفناء.
ذاتَ ليلةٍ باردة من ليالي الشتاء، نمتُ على هدوء وهَناء، ورغْد ورخاء، ولمّا انتبهتُ فجْرا، فوجِئتُ بالخبرِ المحزِن الموجِع، المبكي المفزِع، بأن أستاذي الذي كنت قريب عهد بلقائه، وكنت له جليسَ خِلو قبل حوالي خمسة أيام، إذا أنا اليوم بناعٍ ينعاه لي.
ارتحل عنّا أستاذنا المبجل، أستاذ التفسير والحديث بمدرستَي ابن عباس رضي الله عنهما، وعائشة الصديقة رضي الله عنها للبنات، جوّابُ الأمصار، وجوّالُ الأقطار، داعية كبير، وعلامة نحرير: الأستاذ فاروق شاه في ليلةِ الخميس بـ 29 من ربيع الأول سنة 1438 هـ ، الموافق لـ 29 من ديسمبر سنة 2016 م، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جِنانه، وأغدق عليه شآبيب رحمته ورضوانه، وقابله بلطف منه وغفرانه، وتقبل منه ما قدم للدين وأهله من خدمات علمية ودعوية بفضله وإحسانه. وجعل الجنة مثواه، وفي الفردوس مأواه، وأكرم نُزُلَه، ووَسَّع مُدْخَلَه. آمين. إنا بفراقك يا أستاذُ لمَحزونون!!
بالأسف أني لم أحضر جنازة الأستاذ ولا التدفين، وكنت مسافرا آنذاك، ولكن من حسن حظي وأصحابي أننا قابلنا الأستاذ قبل خمسة أيام من وفاته، وذلك أنه كان حضَرَ في مركز الدعوة والتبليغ برائيوند، فجمعت بيننا جلسات شتى، فاستفدت منه وجالسته في جمع من الأصحاب والرفقاء، وأيضا قُدِّر لي الجلوس معه وحيدا، فكان الحديث بيننا ذا شجون، ولعل مثل هذه الفرصة سنحت لي أول مرة خلال إحدى عشرة سنة التي قضيتها في ساحة مدرسة ابن عباس رضي الله عنهما، أن جالسته وحيدا حيث لم يكن عنده غيري، وكان الله ثالثنا، ولما قمت من عنده كأني كنت ظفِرتُ بكنز ثمين، كنز صحبته ومرافقته في الوحدة للحظات معدودة، ولم يكن ببالي – ولا بخاطر الأستاذ - أن هذه الفرصة الأولى هي الأخيرة، وتلك الأخبار الغيبية قد استقل بعلمها الرب جل وعلا، ولم يطلع عليها أحدا سواه.
لما استيقظت صباح الخميس من نفس التاريخ قابلت زملائي قبيل الفجر، فنُعيت بهذه النبأة المحزنة التي كادت أن تهُزَّ أركاني وتزعزع كياني. مع أني كنت نائيا عن البيئة الدراسية، ولم أجد من الأسباب ما يكفيني لإنشاء شيء حول الأستاذ، ولكني عزمت متوكلا على الله الودود، وبذلت المجهود، فحل لي المعقود، وأعانني فوق الحسبان والمعهود، فله الشكر والثناء وهو بكل لسان محمود، وإنه كريم مفضل ذو المن والجود. فنظمتُ قصيدةً في رِثاء الأستاذ، وسميتها بـ ترثيك المنابر والصفوف، ونظمتُها على وزن البحر الوافر، فدونك إياها:
أيا شمسَ الهدى شيخَ الحديثِ ، نبيلٌ رأسُ عُبَّادٍ نجيبُ
كريمٌ مُدْمِنُ الصَّلَواتِ دَوْمًا ، نبيهٌ داعِيَهْ حَبْرٌ لبيبُ
رحلتَ إلى مليكٍ ذي الجلالِ ، وأنت الراشد الخيرُ المنيبُ
وترْثيك المنابرُ والصُّفوفُ ، دروسُك للحديث لها النحيبُ
وتبكيك المراكزُ والدعاةُ ، وعن ذكرى المشايخِ لا تغيبُ
ينادَى في الأزمات الشدادِ ، وما مِن مُقبلٍ، هل من يجيبُ؟
وأفجع مَن فقدْنا من حُرِمْنا ، نرى ركَعاتِهِ ليلًا يُنِيبُ
فإن كنتم رحلتم لا تظنوا ، بأن القلبَ ينسى من يغيبُ
ولكني أراجع ذكرياتي ، وفي قلبي لأستاذي نصيبُ
سطرْنا في الفؤاد سطورَ وُدٍّ ، لها في القلب ميدانٌ رحيبُ

شارك النقاش مع الآخرين: Twitter | Facebook

يمكنك إضافة تعليقك أيضا بعد الدخول عبر فيسبوك أو إنشاء حساب جديد